كريم نجيب الأغر
539
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - ومن الجدير بالذكر أن هناك حديثين مشابهين لهذا الحديث ، وقد سبق أن شرحناهما في مبحث « الماء والمني » ، وهما : * ( عن أمّ سلمة جاءت أمّ سليم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : يا رسول اللّه : إن اللّه لا يستحيي من الحق ، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتملت ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا رأت الماء » ، فغطّت أم سلمة - تعني وجهها - وقالت : أو تحتلم المرأة ؟ فقال : « تربت يمينك فبم يشبهها ولدها » ) [ أخرجه البخاري ح 14 ] . * ( عن أمّ سليم رضي اللّه عنها قالت : إنها مجاورة أمّ سلمة - زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - ، فكانت تدخل عليها ، فدخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت أم سليم : يا رسول اللّه : أرأيت إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل ؟ ، فقالت أم سلمة : تربت يداك يا أم سليم فضحت النساء عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت أم سليم : إن اللّه لا يستحيي من الحق وإنا أن نسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما أشكل علينا خير من أن نكون منه على عمياء . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأم سلمة : « بل أنت تربت يداك ، نعم يا أم سليم عليها الغسل إذا وجدت الماء » ، فقالت أم سلمة : يا رسول اللّه : وهل للمرأة ماء ؟ ! ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فأنّى يشبهها ولدها ، هن شقائق الرجال » ) [ أخرجه أحمد ح 77 ] . نقول في هذا المقام : إنه من المهم أن نخوض في تفاصيل تلك الأحاديث الثلاثة السالفة الذكر ، فهناك اختلاف بسيط في ألفاظ كل منها يترتب عليه تفسير يتلاءم مع اللفظ المنقول ، كما أن هناك زيادات مختلفة في كل من تلك الأحاديث تضيف عليها دلالات جديدة لا يجب أن نغفل عنها . تلك الأحاديث تتكلم عن نفس الحادثة لأنها حادثة عين . فالسائل في كل من تلك الأحاديث شخص واحد - أم سليم رضي اللّه عنها ، والكلام يدور عن نفس الموضوع ، واحتمال أن تتكرّر تلك الحادثة قليل لأن من شمائل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجيب السائل بأجوبة شافية حتى تتّضح للسائل بالكلية . هذا إن لم يعط صلّى اللّه عليه وسلّم إيضاحات إضافية تزيد عن حاجة السائل لكي يحيط صلّى اللّه عليه وسلّم بجميع جوانب الموضوع المطروح ، حيث إنه مأمور من اللّه تعالى بأن يتمّ علينا ديننا - دين الإسلام - كما أشار إليه المولى عزّ وجلّ في محكم آياته : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ المائدة : 3 ] . وقد يفسّر الحديثان - رقم 14 و 77 - على نحو الذي أشرنا إليه في مبحث « الماء والمني » وهو أن الولد يشبه أمه بأنها تفرز ماء - أي منيا - كما يفرز هو ماء ، وذلك لأن النساء شقائق الرجال - أي نظائرهم - ، وهذا وجه وجيه لوجود قرائن عديدة تقوي هذا التفسير منها أحاديث أخرى كالحديث الذي رواه عبد الرزاق الصنعاني والحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث خولة بنت حكيم حيث جاء المعنى في تلك الأحاديث صريحا وجليا بأنه يشير إلى تلك الظاهرة ، ولاتفاق جمهور العلماء المسلمين أن على المرأة غسلا إذا هي احتلمت ، ولاتفاق التفسير مع قواعد اللغة العربية ، ومع السياق العام للحديثين الذي يدور حول الاحتلام . بيد أن هناك تفسيرا للشبه الوارد في الحديثين رقم 14 و 77 مختلفا عن الذي أشرنا إليه ، أو أن مفهوم الشبه الذي تكلم عنهما الحديثان ناقص إذا ما اعتبرنا الزيادة التي جاءت في الحديث رقم 67 ، والتي تنص على أن شبه الولد لأمه يكون من جراء غلبة صفات أحد الماءين - ماء الرجل وماء المرأة - -